صديق الحسيني القنوجي البخاري
197
فتح البيان في مقاصد القرآن
سورة المائدة هي مائة وثلاث وعشرون آية ، قال القرطبي : هي مدنية بالاجماع ، وبه قال قتادة ، وعن محمد بن كعب قال إنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة ، وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : المائدة في آخر القرآن تنزيلا . فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها . ورد هذا الحديث من قول عائشة وليس هو بحديث عن رسول اللّه وقد ساقه ابن كثير ج 2 ص 2 . وعن عمر بن شرحبيل قال : لم ينسخ من المائدة شيء ، وقال : الشعبي الا هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [ المائدة : 2 ] وزاد ابن عباس فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [ المائدة : 42 ] قال ميسرة : إن اللّه أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ينزلها في غيرها من سور القرآن وهي قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ إلى قوله : إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ البقرة : 180 ] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذه الآية التي افتتح اللّه تعالى بها هذه السورة إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ فيها من البلاغة ما يتقاصر عنده القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة منها الوفاء بالعقود ، ومنها تحليل بهيمة الأنعام ، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل ، ومنها تحريم الصيد على المحرم ، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال واللّه ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ثم استثنى بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا .